أقف وحيدة ، جامدة خلف بلور زجاج الحائط الذي جهد ( صابر ) وهو يلمعه ، أتأمل صامتة الشارع الممتد أمامي وهو يستيقظ متثاقلاً ، أمامي يبدأ الكناس بأرجحة مكنسته بحركات رتيبة ناقلاً الأوساح ذات اليمين وذات الشمال ..
في الزاوية بدأ (عم إبراهيم ) يومه كما هو معتاد يومياً بشتائم ولعنات يلقيها كالشرر على كل من يعكر صفو مزاجه المتعكر على الدوام ، كم أرأف لحال (عوض ) مساعده في دكان الخضار فهو الوحيد الذي يتلقى النصيب الأكبر من تلك اللعنات الصباحية .
على اليسار يبدأ الحاج (عبدالله ) إفتراش الأرض منسقاً حلوياته ذات الألوان الزاهية والتي أعتاد الأطفال على شرائها منه، هو رجل كبير طاعن السن كان فيما مضى موظف حكومي بمركز مرموق ولكنه فضل أن يخرج لبيع الحلويات في الشارع بدلاً من جلوسه وحيداً في منزله الخاوي من الزوجة المتوفاة والأولاد الذين أنصرفوا عنه متحججين بالمسئوليات التي باتت تشغلهم عن زيارته .
أجول بنظري فأرى (أم سعيد ) تبدأ في نشر غسيلها من البلكونة ، كانت قد نشرته بالأمس ولكنه عاد متسخاً بعد أن أنهمر عليه المطر ليلة البارحة أثناء غيابها عن المنزل .
تصّبح عليها جارتها (أم حسان ) تلك المرأة ذات الضحكة المجلجلة والتي لا يحلو لها أن تقشر خضارها إلا في البلكونة وهي تستمع لأغاني عبد الوهاب وأم كلثوم من المذياع الذي لا يفارقها .
أرفع بصري قليلأ فأرى ( سوسن) إبنة (عم جمال ) وهي تنتظر خروج (علي ) ابن الجيران ذاك الفتى الذي يقاربها في العمر والذي بات يشغل تفكيرها المتفتح كجسدها هذه الأيام .
تمر أمامي ( نورا ) تلك البنت الشقية ، وفي لحظة خاطفة وبعيداً عن مرأى والدتها تطلق نحوي لسانها بحركة شقية إعتدتها منها يومياً .
(عم زهير) يجلس على كرسيه أمام محله الذي يصلح فيه الساعات يطالع جريدته من خلف نظارته السميكة ويسترق نظرات مختلسة بين اللحظة والأخرى للفتيات بمريلاتهن الزرقاء وهن منطلقات بحيوية نحو المدرسة ، كم أتمنى لو أشاركهن تلك الخطوات الفرحة.
اليوم أشعر بالإنزعاج قليلاً لأني أرتدي تنورة قصيرة .. لطالما كرهت التنورات بكل أنواعها ، ولي أسبابي و ذكرياتي المخجلة أيضاً ، فما من يوم كنت أرتدي فيه تنورة إلا وحاول فيه أحد الأشقياء رفعها والتلصص بدون حياء أسفلها .
في إحدى المرات حاول أحد الرجال فعل ذلك بعيداً عن نظرات زوجته التي كانت منشغلة باختيار فستان سهرة هناك في الزاوية من المحل ، حينها شعرت بغضب شديد وهممت بأن أصفعه ولكن يدي المتخشبة لم تساعدني كثيراً .
تأتي ( فوزية) موظفة المحل المفضلة عندي ويبدأ شعور بالفرح يتسرب داخلي إنها تهم بتغيير ملابسي ..
أوووه لحظة .. لحظة يا فوزية لا تنزعي قميصي وأنا أمام الزجاج فالشارع أمامي قد استيقظ الآن .







